نصف العلم قولك لا أدري فيما لا تدري للبيداغوجية

الأمانة العلمية:
فالأمانة العلمية زينة العلم، وروحه الذي يجعله زاكي الثمر، لذيذ المطعم.
وإذا قلَّبت النظر في تراجم رجال العلم رأيت بين العالم الأمين وقرينه غير الأمين بوناً شاسعاً، ترى الأول في مكانة محفوفة بالوقار، وانتفاع الناس منه في ازدياد.
وترى الثاني في منزلة صاغرة، ونفوس طلبة العلم منصرفة عن الأخذ منه أو متباطئة+.([1])
فالرجل الذي يكون على جانب من العلم، ولا يتصرف فيه بأمانة حصينة _ يرمقه الناس بازدراء، وتذهب ثقتهم به، فلا يكادون ينتفعون بما يمكنهم أن ينتفعوا به من معلوماته الصحيحة.
ولما كان المعلم منبرياً لتعليم الطلاب والإجابة عن أسئلتهم _كان لزاماً عليه أن يأخذ نفسه بالأمانة العلمية؛ فإذا سئل عما يعلم أجاب بكل أمانة ووضوح.
وإذا سئل عما لا يعلم توقف عن الإجابة بأن يقول: لا أدري، أو لعلي أراجع المسألة، أو أتأكد منها، أو أسأل عنها، أو نحو ذلك.
فالمعلم قد يقع في حال يرى أن الاعتراف بالجهل يذهب بشيء من احترام سائليه، فيقف بين داعيين: فضيلة الأمانة تدعوه إلى أن يقول: لا أدري، وحرصه على أن يبقى احترامُه في نفوس سائليه غير منقوص يدعوه إلى أن يستمد من غير الحقيقة جواباً.
وفي مثل هذه الحال يظهر مقدار صلة المعلم بالأمانة العلمية؛ فإن كان راسخاً فيها رسوخ الجبل تشتد به العواصف فلا تزحزحه قيد شعرة _أجاب داعيها، واستيقن أن الاحترام الحق في الوقوف عند حدودها.
وإن كانت الأمانة كلمة يقولها بفمه، ويسمعها بأذنه دون أن تتخلل مسلك الروح منه _آثر لذة الاحترام في ذلك المشهد، وأجاب بما ليس له به علم.
ثم إذا أبديت في العلم لطلابك رأياً، ثم أراك الدليل القاطع أو الراجح أن الحق في غير ما أبديت _فلا تستوحش من الرجوع إلى الحق؛ فلك في ذلك سلف رفع الله ذكرهم، وكان مما رفعهم به وقوفُهم عند حدود الأمانة؛ فمقتضى الأمانة _والحالة هذه_ أن تصدع بما استبان لك أنه الحق، ولا يمنعك من الجهر به أن تنسب إلى سوء النظر فيما رأيته سالفاً؛ فما أنت إلا بشر، وما كان لبشر أن يبرأ نفسه من الخطأ، ويدعيَ أنه لم يقل ولن يقول في حياته إلا صواباً.([2])

([1]) رسائل الإصلاح 1/15.

([2]) انظر رسائل الإصلاح 1/16_17.

نقلت للأمانة إخواني من كتاب المعلمين

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هنا

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.