إرسال السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم

اعتاد بعض الناس وصية أقاربهم أو من يسافر إلى المدينة النبوية بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم من عنده، فيرسل السلام معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومما زاد الطين بلة حين يذكرها بعض المصنفين في مصنفاتهم، مستحسنا لها ومؤيدا، والله المستعان.

ثم تطورت هذه البدعة في هذا العصر التكنولوجي، فيسلم الواحد عن طريق وسائل الاتصال الحديثة من الجوالة وغيره على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بعيد عن القبر بل وعن المدينة النبوية بمسافة القصر فأكثر، وقد يكون في أقصى المشرق أو أقصى المغرب، فيظن المسلم أنه بهذا قد سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قد حصلت له زيارة قبره عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

وطريقة فعلتهم أنه عندما يتصل الرجل من مكان بعيد بالذي بداخل المسجد قبالة القبر الشريف، فيفتح هذا الرجل الجهاز الذي معه، فيسلم ذلك الشخص على النبي صلى الله عليه وسلم عبر هذا الجهاز.

ولاشك أن الذي يوصي بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم هو بذلك يزعم أنه يعظم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يتقرب إلى الله بهذا الفعل، وأنه يحصل له به الأجر العظيم؛ ولا يعلم هذا المسكين أنه بذلك ينفي وينكر التعظيم الذي منحه الباري سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، بل واعتقد خلاف ذلك، فارتكب التنقص بدلا من التعظيم، وهكذا كل مخالف للكتاب والسنة يرتكب الإثم من حيث هو يعتقده ثوابا وأجرا.

فمما عظم به الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بأن جعل من الملائكة من يسيحون في الأرض يبلغون عن أمته السلام، كما ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، فأين زعمهم من هذا التعظيم الإلهي الرباني؟! كما أن هذا الذي يرسل السلام من بعيد لاشك أنه يعتقد أن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر أفضل من السلام عليه في الصلاة وغيرها، إذ إنه لو لم يكن يعتقده لما تكلف ذلك، ولما ابتدع تلك البدعة.

لكن هذا اعتقاد قد جانبه الصواب، فالسلام عند القبر هو من سلام التحية، كالسلام على عامة المؤمنين عند زيارة قبورهم، وأما السلام المطلق المأمور في كل مكان فهو الذي يسلم الله على صاحبه عشرا بكل سلام، فهو أفضل من السلام عند القبر، وقد سبق بيانه في مبحث سابق، فليس للسلام عند القبر مزية، إلا مجرد حصول القرب، وهذا لا يحصل لمن يرسل السلام من بعيد، وأما رد النبي صلى الله عليه وسلم فهو عام لمن يسلم عليه من قريب أو بعيد.

وبذلك يتضح أن الذي يرسل السلام مع الغير من مكان بعيد لا هو معظم للنبي صلى الله عليه وسلم حق تعظيمه، ولا هو بذلك يعمل بالأفضل، بل فاته الأجر العظيم والثواب الجزيل، بترك السلام المأمور في القرآن الكريم، بل وارتكب بدعة في الدين لم يدل عليها أي دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من فعل السلف بل الأدلة على خلاف ذلك.

يقول الشيخ العلامة عبد المحسن العباد حفظه الله: ((ومما ينبه عليه أن بعض من يقدم إلى المدينة قد يوصيه بعض أهله أو غيرهم أن يبلغ سلامه للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكونه لم يرد في السنة شيء يدل على ذلك فينبغي لمن طلب منه ذلك أن يقول للطالب: أكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، والملائكة تبلغ ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم)).

وأما ما يروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله من إرساله الرسول من الشام إلى المدينة ليقرئ السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فغير ثابت عنه، رضي الله عنه وأرضاه، ولم يثبت عنه ولا عن غيره من السلف الصالح إرسال السلام من مكان بعيد.

فلم تكن هذه الخرافة والبدعة في ذلك الزمن، وعلى فرض صحة هذا الأثر فلا تقوم بمثله الحجة، ولا ينهض للاستدلال في مقابل نصوص الكتاب والسنة، وقد مضى قبله جيل كامل، ولم يرد من أحد منهم مثل هذا العمل، وهم أفضل منه وأحرص على الخير، بل قد ثبت من بعضهم المنع من قصد القبر للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مطابق لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، من النهي عن اتخاذ القبر عيدا، وأن السلام يبلغه عن أمته.

ينظر الصارم المنكي لابن عبد الهادي، فضل المدينة وآداب سكناها للشيخ عبد المحسن العباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.